عشر حالات انتحار خلال شهر واحد….هل يواجه المجتمع الإيزيدي أزمة صامتة؟
تحقيق استقصائي |سفيان دلكاني | KCM

لم تنته الحرب في شنكال بانتهاء سيطرة داعش على المنطقة، ولم تتوقف الخسائر عند المقابر الجماعية وآلاف المختطفين والنازحين، فبعد أكثر من عشر سنوات على الإبادة الجماعية، يواجه المجتمع الإيزيدي اليوم عدواً جديداً لا يحمل سلاحاً ولا يرفع راية، لكنه يواصل حصد الأرواح بصمت.
خلال شهر واحد فقط، سُجلت قرابة عشر حالات انتحار في شنكال، في رقم صادم أعاد إلى الواجهة أسئلة طال تجاهلها: لماذا يختار بعض الشباب والفتيات إنهاء حياتهم؟ وما الذي يدفع إنساناً نجا من الحرب والنزوح والإبادة إلى الاستسلام في مواجهة نفسه؟
وراء كل حالة انتحار قصة لم تُروَ كاملة، وضغط نفسي لم يُعالج، وأزمة اجتماعية أو اقتصادية أو عائلية لم تجد من يستمع إليها. وبين الحديث عن الاكتئاب والصدمات النفسية، والبطالة، والابتزاز الإلكتروني، والتفكك الأسري، تتداخل الأسباب وتتشابك الخيوط في ملف معقد ما زال يفتقر إلى الدراسات والحلول الجدية.

في هذا التحقيق، يحاول KCM الاقتراب من جذور الظاهرة، عبر شهادات مختصين وناشطين وخبراء قانونيين، بحثاً عن إجابة لسؤال بات يؤرق المجتمع بأكمله:
هل نحن أمام حالات فردية متفرقة، أم أمام أزمة صامتة تهدد جيلاً كاملاً في شنكال؟

يرى الطبيب النفسي الدكتور سلام نايف أن الأرقام المتداولة لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة ويقول:
“نحن بلا شك أمام أزمة صحة نفسية حقيقية وعميقة للغاية. الأرقام المعلنة مؤشر خطير جداً، لكن الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر بسبب التكتم الاجتماعي والوصمة المرتبطة بالانتحار.”
ويصف سلام الوضع في شنكال بأنه “اضطراب صامت”، حيث تبدو الحياة في ظاهرها طبيعية، بينما تعيش كثير من العائلات أزمات نفسية غير مرئية.
وبحسب الطبيب النفسي، فإن الإبادة الجماعية لم تنتهِ آثارها النفسية بانتهاء العمليات العسكرية ضد داعش، بل تحولت إلى سلسلة من الصدمات المتواصلة.
“أهالي سنجار لم يعيشوا صدمة واحدة وانتهى الأمر، فالنزوح الطويل كان صدمة، والعودة إلى بيوت مدمرة تفتقر للخدمات تمثل صدمة متجددة، والعودة الجسدية لا تعني التعافي النفسي.”
ويؤكد أن اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب غير المشخص، في ظل غياب المراكز النفسية المتخصصة، تخلق بيئة خطرة قد تدفع بعض الأفراد إلى التفكير بالانتحار باعتباره مخرجاً من الألم النفسي.

جيل نشأ بين المخيمات والفقدان
الأكثر عرضة للخطر، بحسب سلام نايف، هم الشباب والمراهقون.
فهؤلاء نشأوا في بيئة مختلفة عن الأجيال السابقة؛ بين النزوح، والفقدان، وعدم الاستقرار، وغياب الفرص.
ويضيف قائلاً:
“هناك ارتفاع ملحوظ ومخيف في الحالات النفسية بين الشباب والمراهقين. هؤلاء كبروا في مخيمات النزوح وتحت ظلال الفقد.”
ويضيف أن البطالة وغياب فرص العمل والتعليم، إلى جانب غياب الإرشاد النفسي في المدارس، عوامل تساهم في تعميق الإحباط وفقدان الأمل.

عندما يصبح الانتحار محتوى رقمياً
في المقابل، يسلط الناشط الإيزيدي طلال هسكاني الضوء على جانب آخر من الأزمة، يتعلق بطريقة تعامل المجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي مع حوادث الانتحار.
ويقول:
“أنا وأنت وغيرنا ممن ينشرون صور المنتحرين ويجعلونها ترند على مواقع التواصل الاجتماعي، نرتكب خطأً من دون أن نشعر ونصبح جزءاً من المشكلة.”
ويحذر من أن تحويل الحادثة إلى مادة للتداول والتفاعل قد يرسل رسائل سلبية إلى أشخاص يعيشون ظروفاً مشابهة.
“هناك أشخاص مهمشون ومتعبون نفسياً، وقد يتحول هذا التفاعل إلى دافع للفت الانتباه إلى معاناتهم.”
وتحذر منظمات الصحة النفسية حول العالم من التأثير المعروف إعلامياً باسم “عدوى الانتحار”، حيث يمكن للتغطية غير المهنية أو المبالغ فيها أن تؤثر على أشخاص يعيشون أزمات مشابهة.

الأسرة… الحلقة الأضعف؟
لا يحمّل هسكاني المسؤولية لوسائل التواصل وحدها، بل يوجه انتقادات واضحة إلى ضعف المتابعة الأسرية.
ويتساءل:
“كم شخصاً يعرف مع من يتواصل أبناؤه أو إخوته المراهقون؟ وكم شخصاً حاول أن يسد الفراغ المتزايد بينه وبين أبنائه؟”
ويعتقد أن الهوة المتزايدة بين الآباء والأبناء، وترك المراهقين لساعات طويلة أمام الهواتف دون رقابة أو توجيه، تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والابتزاز والخداع.

من حفلات الأعراس إلى الابتزاز الإلكتروني
واحدة من النقاط التي يثيرها هسكاني تتعلق بالخصوصية الرقمية.
فبحسب حديثه، فإن بعض المواد المصورة التي تُنشر من الأعراس والمناسبات الاجتماعية تتحول لاحقاً إلى أدوات للابتزاز.
ويقول:
“بعض شركات التصوير كانت سبباً غير مباشر في حالات مأساوية، عندما قامت بنشر مقاطع من حفلات ومناسبات اجتماعية على الإنترنت.”
ويضيف أن بعض الفتيات تعرضن للتنمر أو الابتزاز بعد إعادة استخدام صور أو مقاطع منشورة بشكل علني، ما تسبب لهن بأزمات نفسية حادة.

ماذا يقول القانون؟
من الناحية القانونية، يرى المحامي زياد حجي أن التركيز على التحقيقات الجنائية وحدها لا يكفي لفهم الظاهرة.
ويقول:
“السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح هو لماذا؟
ويعتبر أن المجتمع يحتاج إلى مراكز بحثية ودراسات متخصصة لفهم الأسباب العميقة التي تدفع بعض الشباب إلى الانتحار.
ومع ذلك، يؤكد أن القانون العراقي يتيح ملاحقة أي شخص يثبت أنه ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في دفع شخص آخر إلى الانتحار.

ويشير إلى أن جرائم الابتزاز الإلكتروني والتهديد والتشهير تخضع لعقوبات قانونية منصوص عليها في قانون العقوبات العراقي، حتى وإن لم يرد مصطلح “الابتزاز الإلكتروني” بشكل مباشر في النصوص القانونية القديمة.
ويضيف:
“إذا ثبت أن فعل الابتزاز أو التشهير كان أحد الأسباب التي دفعت المجني عليه إلى الانتحار، فإن الملاحقة القانونية تبقى ممكنة.”
ما الذي تحتاجه شنكال اليوم؟
رغم اختلاف زوايا النظر بين الضيوف، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً بينهم جميعاً: المشكلة لم تعد فردية.
فالطبيب النفسي يتحدث عن أزمة صحة نفسية متراكمة، والناشط المجتمعي يحذر من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتفكك الأسري، والمحامي يدعو إلى تطوير أدوات قانونية ومؤسساتية أكثر فاعلية.
في المقابل، ما تزال شنكال تفتقر إلى مراكز متخصصة للصحة النفسية، وبرامج وقاية مجتمعية، وآليات فعالة لمواجهة الابتزاز الإلكتروني وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

لم يعد السؤال في شنكال لماذا انتحر هذا الشاب أو تلك الفتاة، بل لماذا تتكرر المأساة بهذا الشكل؟
فخلف كل حالة انتحار قصة لم تُروَ كاملة، وضغط نفسي لم يُعالج، وفرصة نجاة ربما لم تصل في الوقت المناسب.
عشر حالات خلال شهر واحد ليست مجرد أرقام، بل أجراس إنذار متتالية تدق في مجتمع ما زال يحاول التعافي من جراح الإبادة والنزوح والتهميش.
وبينما تستمر العائلات في دفن أبنائها بصمت، يبقى السؤال معلقاً أمام الجميع: هل سننتظر الضحية القادمة لنتحدث عن الأزمة من جديد، أم أن الوقت قد حان للاعتراف بأن شنكال تواجه أزمة حقيقية تتطلب تدخلاً عاجلاً قبل أن تتحول الخسائر الفردية إلى نزيف مجتمعي مفتوح.
https://youtu.be/WbYwdIJ0sII?si=0ab-F2AshHhEmVSR