اليوم الاول من جلسات محاكمة حسناء المتهمة بالانضمام إلى تنظيم داعش، في هولندا
أمستردام – هولندا
تشكل محاكمات عناصر أو داعمي تنظيم داعش في أوروبا إحدى أبرز المسارات القانونية لتحقيق العدالة للضحايا، خاصة للناجين من الإبادة الجماعية التي تعرض لها المجتمع الإيزيدي عام 2014، وتأتي جلسات محكمة الاستئناف في قضية المتهمة حسناء ضمن هذا الإطار، حيث تحظى بمتابعة واسعة من الناجين الإيزيديين والنشطاء والمهتمين بملف العدالة الانتقالية وجرائم الإبادة الجماعية.
ويستند هذا التقرير إلى متابعة ميدانية لجلسات المحكمة، وشهادات ناجين إيزيديين حضروا المحاكمة، إضافة إلى رصد مجريات جلسات الاستئناف وما تضمنته من اعترافات متناقضة وأدلة وشهادات.
أهمية المحاكمة بالنسبة للناجين الإيزيديين
سيف مطو: المحاكمات تمنح الضحايا صوتاً
أكد الناجي الإيزيدي سيف مطو أن رؤية أشخاص مرتبطين بتنظيم داعش يمثلون أمام القضاء الأوروبي تشكل خطوة أساسية في مسار العدالة.
وقال مطو خلال حديثه لفريق KCM:
هذه المحاكمات تعطي الأمل للناجين والضحايا بأن الجرائم التي ارتكبها داعش لن تمر دون عقاب، نحن كنا ضحايا تنظيم إرهابي ارتكب جرائم إبادة جماعية، ومن المهم محاسبة كل من دعم أو شارك في تلك الجرائم.
وأشار إلى أن حضور الناجين جلسات المحاكمة لا يقتصر على متابعة الإجراءات القانونية، بل يهدف أيضاً إلى إيصال صوت الضحايا إلى المجتمع الدولي والرأي العام الأوروبي.

سيف مطو
فوزية زندينان: رؤية المتهمين أمام القضاء تعزز الإحساس بالعدالة
من جهتها، أكدت الناجية الإيزيدية فوزية زندينان أن هذه المحاكمات تحمل قيمة معنوية وإنسانية كبيرة للضحايا.
وقالت زندينان:
لدي شعور جيد عندما أرى أشخاصاً مرتبطين بداعش يقفون أمام المحكمة، أتمنى أن تستمر هذه المحاكمات لأنها مهمة جداً لقضية الإيزيديين وتحقيق العدالة للضحايا.
وأضافت أن استمرار المحاسبة القضائية يمثل رسالة واضحة بأن الجرائم ضد الإنسانية لن يتم تجاهلها، ويساعد الناجين على استعادة جزء من حقوقهم المعنوية.

فوزية زندينان
متابعة جلسات محكمة الاستئناف: تناقضات في أقوال المتهمة
تناقضات بين الاعترافات السابقة والحالية
أظهرت جلسات الاستئناف وجود تناقضات كبيرة في أقوال المتهمة حسناء، خصوصاً فيما يتعلق بدوافع سفرها إلى سوريا وعلاقتها بتنظيم داعش.
في بداية التحقيقات، أقرت المتهمة بأنها دعمت أفكار التنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونشرت مواد دعائية مرتبطة به، لكنها في جلسات الاستئناف حاولت التقليل من حجم هذا الدعم، مدعية أنها لا تتذكر ما نشرته أو كتبته في تلك الفترة.
وأكدت المحكمة وجود أدلة رقمية تشير إلى تواصلها مع عناصر مرتبطة بالتنظيم، من بينهم شخص يحمل اسم “أبو خالد”، إضافة إلى تفاعلها مع صفحات دعائية للتنظيم.

رحلة السفر والانضمام إلى مناطق سيطرة داعش
بحسب مجريات المحاكمة، سافرت حسناء في 7 فبراير 2015 من مدينة دوسلدورف إلى أنطاليا التركية، قبل أن تصل إلى مناطق سيطرة تنظيم داعش في سوريا.
وخلال جلسات المحكمة، قدمت المتهمة روايات متناقضة حول أسباب سفرها، حيث ذكرت أحياناً أنها أرادت “العيش بحرية” وبدء مشروع تجاري، بينما أشارت في مواضع أخرى إلى رغبتها في العيش تحت حكم “الخلافة الإسلامية”.
الزواج من عنصر في داعش
أقرت المتهمة بزواجها من شخص يُعرف باسم “أبو زبير” (عبد السلام)، والذي يُعتقد أنه كان مقاتلاً ضمن صفوف تنظيم داعش، لكنها حاولت لاحقاً نفي معرفتها بنشاطه العسكري أو دوره داخل التنظيم، رغم اعترافات سابقة تشير إلى علمها بمشاركته في القتال.
كما اعترفت بحيازتها سلاحاً نارياً خلال وجودها في مناطق سيطرة التنظيم، مدعية أن الهدف كان “الدفاع عن النفس”.
اتهامات بدعم التنظيم والترويج لأفكاره
استعرض الادعاء العام رسائل ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تشير إلى أن المتهمة كانت تروج لأفكار تنظيم داعش داخل محيطها الاجتماعي وحتى داخل المدرسة التي كانت ترتادها سابقاً.
كما أشار الادعاء إلى تصريحات منسوبة للمتهمة تؤيد العنف باسم الدين، بينها تصريحات حول تبرير قتل “الكفار”، وهي تصريحات أنكرتها المتهمة أو قالت إنها لا تتذكرها.
شهادة ناجية إيزيدية ضد المتهمة
أحد أبرز محاور القضية يتعلق بشهادة ناجية إيزيدية (z) قالت إنها تعرضت للاستعباد والعمل القسري داخل منزل أحد عناصر داعش حيث كانت المتهمة تقيم.
رواية الشاهدة (z)
ذكرت الشاهدة أنها كانت تعمل لساعات طويلة داخل المنزل، وأنها تعرضت للعنف الجسدي، وأشارت إلى أن المتهمة كانت على علم بوضعها ولم تتدخل لمساعدتها.
كما اتهمت الشاهدة المتهمة بإجبارها على العمل المنزلي الشاق، ومشاركتها في أنشطة مرتبطة بحياة عناصر التنظيم.
رد المتهمة على الشهادة:
أنكرت حسناء هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لم تكن على علم بتفاصيل وضع المرأة الإيزيدية، وادعت أن حاجز اللغة منع التواصل بينهما، كما قالت: انها كانت تخشى التدخل بسبب سيطرة زوجها وعناصر التنظيم على حياتها.
رسائل إلى العائلة: مؤشر على الترويج للتنظيم
عرضت المحكمة وقال لدينا رسائل صوتية ومكتوبة أرسلتها المتهمة إلى والدها، تضمنت دعوته للسفر إلى سوريا والانضمام إلى مناطق سيطرة التنظيم، إضافة إلى وصفها الحياة هناك بأنها “أفضل من أوروبا”.
لكن المتهمة تراجعت عن هذه الأقوال، وادعت أنها أرسلت هذه الرسائل تحت ضغط زوجها وخوفاً من العقاب.
الوضع الحالي للمتهمة
أفادت المتهمة خلال جلسات الاستئناف بأنها نادمة على سفرها إلى سوريا، مؤكدة أنها تسعى حالياً إلى بدء حياة جديدة بعيداً عن التطرف، وأنها تخضع للعلاج النفسي داخل السجن.
كما أشارت إلى أن أطفالها يتلقون رعاية اجتماعية خارج السجن، وأنها تحاول إعادة بناء علاقتها بهم.
دلالات القضية على مسار العدالة الدولية
تعكس هذه القضية عدة أبعاد مهمة في مسار محاسبة مرتكبي الجرائم المرتبطة بتنظيم داعش، أبرزها:
1. أهمية الشهادات المباشرة للناجين في توثيق الجرائم.
2. دور الأدلة الرقمية في إثبات الدعم الأيديولوجي للتنظيم.
3. التحديات القانونية في إثبات المشاركة المباشرة أو غير المباشرة في جرائم الإبادة الجماعية.
تشكل جلسات محكمة الاستئناف في قضية حسناء محطة مهمة في مسار العدالة لضحايا تنظيم داعش، خصوصاً الناجين الإيزيديين الذين يرون في هذه المحاكمات اعترافاً بمعاناتهم ومحاولة لإنصافهم.
ورغم استمرار الجدل حول مسؤولية المتهمة وحدود تورطها، فان القضية تسلط الضوء على أهمية استمرار المحاسبة القضائية لضمان عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ مبادئ العدالة لضحايا الجرائم ضد الإنسانية.
إعداد: الصحفي سفيان دلكاني – فريق KCM











