خطابات الكراهية ضد الإيزيديين… مؤشرات خطيرة وصمت أخطر
فرحان إبراهيم
في العراق وكردستان، يعيش الإيزيديون منذ سنوات في ظل قلق مستمر وخوف دائم، خوف يتغلغل في البيوت والمدارس والأسواق، ويترك أثره على حياة الناس اليومية. الكلمات التي تطلق ضدهم على منصات التواصل الاجتماعي ليست مجرد كلام عابر، بل انعكاس لموجة فكرية متطرفة سبق أن سببت موجات من العنف والإرهاب والمآسي الإنسانية، والتي بقيت محفورة في ذاكرة المجتمع الإيزيدي إلى اليوم. هذا الواقع يجعل الإيزيديين يشعرون بأن كل تحرك، وكل كلمة، يمكن أن تتحول إلى تهديد لهم، ويخلق حالة مستمرة من التوجس والخوف النفسي والاجتماعي.
لم يعد بالإمكان النظر إلى هذه الظاهرة على أنها مجرد آراء شخصية أو حالات فردية، فالفكر المتطرف لم يعد محصورًا على المتشددين التقليديين. بل بدأ يتسلل إلى أماكن غير متوقعة، إلى أساتذة الجامعات، وأطباء، ومثقفين يفترض بهم أن يكونوا حراسًا للقيم الإنسانية ومرشدين للتنوير. وعندما يصدر خطاب الكراهية عن هؤلاء، يتحول الأمر من مجرد كلمات إلى صورة نمطية متجذرة، تغرس في وعي المجتمع مشاعر التحامل والكراهية، وتضعف قدرة الناس على التعايش والتسامح مع المختلفين.
الإيزيديون يتعرضون لاتهامات باطلة مثل “عبادة إبليس”، رغم أن عقيدتهم تقوم على التوحيد ورفض الشرك. هذه الاتهامات لا تأتي دائمًا من أطراف متطرفة فقط، بل أحيانًا تتسرب إلى تصريحات رسمية أو تغاضٍ مجتمعي، ما يضاعف الإحراج النفسي والاجتماعي، ويجعل الإيزيديين في حالة تأهب دائم. قبول بعض شرائح المجتمع بهذه الأكاذيب يظهر هشاشة المجتمع في تقبل التنوع الديني والثقافي، ويترك الأقليات عُرضة للاضطهاد والتمييز.
التاريخ يعلمنا أن هذه الكلمات ليست بريئة، فقد سبق أن مهدت موجات التكفير وعدم قبول الآخر لعدة موجات من العنف والإبادة. وما حصل على يد داعش في عام 2014 لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل استمرارًا لمنطق متطرف يبرر القتل والاضطهاد لكل من يختلف في العقيدة أو الطقوس. هذه المأساة تثبت أن الكلمات يمكن أن تتحول إلى سلاح، وأن خطاب الكراهية لا يبقى حبيس الأفكار، بل يترجم إلى أفعال مدمرة.
الأمر الأكثر خطورة ليس خطاب الكراهية نفسه، بل الصمت الرسمي والمجتمعي تجاهه. الحكومة والجهات الرسمية لم تتخذ مواقف حاسمة، والجهات الدينية لم تصدر بيانات واضحة تدين التكفير وتطالب بحماية المجتمع الإيزيدي. هذا الصمت يعمّق شعور الإيزيديين بعدم الأمان، ويجعل المجتمع ككل أكثر هشاشة أمام أي تصعيد محتمل، ويعيد إنتاج دورة الخوف والعزلة التي عاشها المجتمع لسنوات.
خطابات الكراهية لا تهدد الإيزيديين وحدهم، بل تهدد المجتمع بأسره. فهي تهدم قيم التنوع والتعايش، وتزرع بذور العنف الفكري قبل أن تتحول إلى أفعال مسلحة. استهداف الرموز الثقافية والدينية، مثل حادثة حذف رمز الشمس الإيزيدية من قميص نادي دهوك، يظهر حجم الضغط النفسي والتحريضي الذي يعيشه المجتمع يوميًا، ويكشف هشاشة قبول الآخر في الحياة العامة.
إذا استمر الصمت الرسمي والمجتمعي، فإن العراق سيكون مهددًا بإعادة إنتاج دوائر جديدة من التطرف والعنف. حماية الأقليات وضمان حقوقهم ليست رفاهية، بل مؤشر على قدرة الدولة على الاستقرار وتأكيد المواطنة الحقيقية. هناك حاجة ماسة لتشريعات رادعة تحمي المجتمع من خطاب الكراهية والتحريض، وبيانات واضحة من المؤسسات الدينية تدين التكفير وتعزز التسامح، وخطاب جريء وصريح من المجلس الروحاني الإيزيدي يطالب بحماية مجتمعه، إلى جانب حملات توعية إعلامية ومجتمعية لتصحيح المفاهيم المغلوطة ومراقبة المحتوى الرقمي المتطرف وتفعيل آليات المساءلة القانونية.
خطابات الكراهية ضد الإيزيديين ليست مجرد قضية تخص مكونًا واحدًا، بل هي ناقوس خطر يهدد استقرار المجتمع بأسره. استمرار التجاهل والصمت أمامها يعيد إنتاج التطرف والعنف، بينما حماية التنوع والمواطنة تشكل الطريق الوحيد لاستقرار العراق وأمنه، وتجعل من المجتمع مكانًا آمنًا للجميع.










