ماذا ينتظر المجتمع الدولي؟ الخطر ؟لى الوجود الإيزيدي لا يبدأ بالسلاح فقط
سفيان دلكاني
حين نتحدث عن حماية الإيزيديين أو عن ضمانات دولية، أو عن إدارة محلية مستقلة لسنجار يدير من خلالها أبناء المنطقة شؤونهم بأنفسهم، فإن البعض يتعامل مع هذه المطالب وكأنها مبالغات سياسية أو ردود فعل عاطفية على أحداث الماضي. لكن الواقع يقول شيئا مختلفا تماما.
الخطر على الإيزيديين لم ينته بانتهاء سيطرة دولة الإسلامية ( داعش )على سنجار. ربما انتهت مرحلة السلاح المباشر، لكن الفكر الذي سبق السلاح ما زال موجودا في بعض الخطابات والمواقف والسلوكيات.
المشكلة ليست في شخص واحد فقط، ولا في مقطع فيديو واحد فقط. المشكلة أعمق عندما نرى خطاب الكراهية يتكرر بأشكال مختلفة: من منبر ديني، أو من شخص يحمل شهادة أكاديمية، أو موظف في مؤسسة، أو مدرس يفترض أن يربي جيلا جديدا، أو عامل بسيط في المجتمع، أو مستخدم عادي على مواقع التواصل.
حين يصبح الإيزيدي في نظر بعض الناس «كافرا» أو «نجسا» أو شخصا أقل قيمة من غيره، وحين يصل الأمر ببعض الخطابات إلى التهديد بعدم السماح له بالبقاء على الأرض، فهذه ليست مسألة اختلاف في العقيدة. هذا إنذار اجتماعي وأمني وأخلاقي خطير.
خطاب الكراهية ضد الإيزيديين… حين تصبح الكلمات تهديد للوجود
الإبادة لا تبدأ لحظة إطلاق النار
التاريخ علّم الإيزيديين درسا قاسيا جدا: الإبادة لا تبدأ لحظة إطلاق النار.
قبل السلاح تكون هناك كلمة.
وقبل الجريمة تكون هناك فكرة.
وقبل الابادة يكون هناك خطاب يجرد الضحية من إنسانيتها، ويصور وجودها وكأنه مشكلة يجب التخلص منها.
هذا بالضبط ما يجعلنا ننظر بقلق شديد إلى أي خطاب تكفيري أو تحريضي تجاه الإيزيديين.
في عام 2014 لم يظهر داعش من فراغ. التنظيم جاء بسلاحه وأفكاره المتطرفة، لكن البيئة التي تقبل فكرة أن المختلف دينيا أقل قيمة، أو أن دمه مباح، أو أن وجوده غير مرغوب فيه، هي التي تجعل الجريمة أكثر سهولة حين تظهر جماعة مسلحة مستعدة لتنفيذها.
ولهذا عندما نسمع اليوم، بعد كل ما حدث، شخصا يقول علنا إنه يرى الإيزيديين كفارا ونجسين، ثم يضيف: «في أول فرصة لن نترككم على وجه الأرض»، فلا يمكن اختصار الأمر بجملة: هذا رأيه الشخصي.
هناك فرق كبير بين الرأي وبين التحريض.
من حق أي إنسان أن يختلف معنا في العقيدة. من حقه ألا يؤمن بما نؤمن به. لكن ليس من حقه أن ينزع عنا إنسانيتنا، أو أن يحول الاختلاف الديني إلى مبرر للتهديد، أو أن يتحدث عن إزالة مجتمع كامل من أرضه.
ماذا يحتاج المجتمع الدولي أكثر ؟
وهنا يأتي السؤال الأهم:
ماذا يحتاج المجتمع الدولي أكثر حتى يفهم أن هناك خطرا حقيقيا على استمرار الوجود الإيزيدي في العراق؟
هل يجب أن تقع إبادة جديدة حتى تصبح المخاوف مفهومة؟
هل يجب أن تبدأ موجة قتل وتهجير جديدة حتى تتحرك المؤسسات الدولية؟
هل يجب أن تتحول الكلمات إلى رصاص حتى يقال إن المشكلة أصبحت خطيرة؟
الإيزيديون لا يريدون العيش في عزلة عن بقية مكونات العراق. ولا نريد تصوير المجتمع العربي أو الكردي أو المسلم كله كعدو، فهذا ظلم وغير صحيح. هناك آلاف الناس الذين وقفوا مع الإيزيديين، وهناك رجال دين ومثقفون وناشطون دافعوا عن حقهم في الحياة والكرامة.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز أن نخفي وجود تيار متطرف أو ثقافة كراهية عند بعض الفئات فقط من أجل تقديم صورة مريحة للواقع.
الحقيقة يجب أن تُقال كما هي.
حين يسمع الطفل الإيزيدي في المدرسة كلمة تحط من دينه، وحين يسمع الموظف الإيزيدي كلاما يقلل من شأنه، وحين يرى المواطن الإيزيدي رجل دين يكفره، وحين يقرأ الشاب الإيزيدي تعليقات تتمنى زوال قومه، فإن كل ذلك يراكم شعورا بأن وجوده ما زال غير آمن.

ومن هنا نفهم لماذا لا يزال كثير من الإيزيديين يفكرون بالهجرة.
فالإنسان لا يترك أرض أجداده فقط بسبب نقص الكهرباء أو الوظائف أو الخدمات. أحيانًا يتركها لأنه يشعر أن المجتمع المحيط به لا يعترف بحقه الكامل في الوجود.
وهذا أخطر من الفقر.
يمكن إصلاح طريق، ويمكن بناء مدرسة، ويمكن فتح مستشفى، لكن إذا لم يشعر المواطن بأن حياته وكرامته وعقيدته مصونة، فلن يشعر أن هذه الأرض وطن آمن له.
لهذا فإن مطلب الإيزيديين بالحماية ليس خوفًا بلا سبب.
ومطلبهم بأن تكون لسنجار إدارة محلية قوية تمثل سكانها ليس مشروعا للانفصال عن العراق.
ومطلبهم بضمانات أمنية وقانونية ليس محاولة لصناعة دولة داخل الدولة.
هذه المطالب تنطلق من تجربة تاريخية طويلة انتهت قبل اثني عشر عاما فقط بإبادة جماعية، وما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
الإيزيدي الذي يطالب بأن يدير أبناء منطقته شؤونهم، وأن تكون لديهم مؤسسات أمنية وقانونية تحميهم، يفكر ببساطة في سؤال واحد:
كيف نضمن ألا يحدث ما حدث في 2014 مرة أخرى؟
وهنا تقع مسؤولية الدولة العراقية أولا.
لا يكفي الاعتراف بالإبادة في الخطابات والبيانات. الاعتراف الحقيقي يبدأ ببناء بيئة تمنع تكرارها.
يجب أن تكون هناك قوانين واضحة وحازمة ضد خطاب الكراهية والتحريض الديني، وأن تطبق على الجميع دون استثناء.
ويجب أن تكون المؤسسات التعليمية جزءا من الحل، لا جزءا من المشكلة.
يجب أن يتعلم الطفل منذ المدرسة أن الإيزيدي والمسيحي والمسلم والصابئي والكاكائي وغيرهم مواطنون متساوون، وأن اختلاف الدين لا يعطي أي شخص حق احتقار الآخر.
كما أن مسؤولية رجال الدين كبيرة جدا.
رجل الدين لا يملك فقط جمهورا؛ يملك تاثيرًا على عقول الناس.
ولهذا فإن الكلمة التي تصدر من على المنبر قد تصنع سلاما، وقد تصنع كراهية تمتد لأجيال.
المطلوب من رجال الدين المعتدلين أن يكون صوتهم أعلى من صوت المتطرفين، وأن يقولوا بوضوح إن كرامة الإنسان وحياته ليست موضوعا للاجتهاد أو المساومة.
أما المجتمع الدولي، فعليه أن يفهم أن حماية الأقليات لا تعني الانتظار حتى تبدأ الابادة الجماعية ثم إرسال بيانات الإدانة.
الحماية الحقيقية هي الوقاية.
هي مراقبة خطاب الكراهية.
هي دعم المؤسسات المحلية.
هي ضمان تمثيل سياسي وإداري حقيقي.
هي دعم التعليم والتعايش.
وهي مساندة المجتمعات التي تعرضت للإبادة لكي تبقى على أرضها، بدل أن تتحول الهجرة إلى الطريق الوحيد نحو الأمان.