تفاصيل من داخل المحكمة… ماذا كشفت جلسة الاستئناف الثانية في قضية حسناء (أ)

تفاصيل من داخل المحكمة… ماذا كشفت جلسة الاستئناف الثانية في قضية حسناء (أ)

في قاعة محكمة هولندية هادئة، لكنها مثقلة بذكريات واحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث، انعقد اليوم الثاني من جلسات محكمة الاستئناف في قضية المتهمة حسناء (أ)، المتهمة بالانضمام إلى تنظيم داعش والمشاركة في استعباد امرأة إيزيدية خلال سنوات سيطرة التنظيم على أجزاء واسعة من العراق وسوريا.
القضية لا تمثل مجرد محاكمة جنائية، بل تُعد اختباراً جديداً لمسار العدالة الدولية في التعامل مع جرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون منذ عام 2014.

جلسة محاطة بثقل الشهادات

افتتح القاضي الجلسة مؤكداً استكمال إجراءات الاستئناف بحضور جميع الأطراف القانونية، بما في ذلك الادعاء العام وهيئة الدفاع ومحامو الضحايا، إضافة إلى مترجمين رسميين أدّوا القسم على نقل الشهادات بدقة، في مشهد يعكس حساسية القضية وتعقيدها القانوني والإنساني.
لكن ما منح الجلسة طابعها الاستثنائي كان حضور شهادة امراة إيزيدية لم تكن تروي فقط قصة شخصية، بل كانت تعيد سرد جزء من تاريخ الإبادة الذي ما زالت آثاره قائمة في ذاكرة الضحايا.

شهادة من قلب المأساة

قدمت المرأة الإيزيدية التي يشار إليها بالحرف (ز)، روايتها أمام المحكمة بصوت يحمل مزيجاً من الألم والإصرار، وروت كيف اختطفها تنظيم داعش مع طفلها خلال الهجوم على شنكال في آب 2014، قبل أن يتم نقلها إلى سوريا حيث تعرضت للاستعباد.
ووفق شهادتها، فأن أحد عناصر التنظيم المعروف باسم “أبو أحمد” قام باستعبادها وتعذيبها، بينما لعبت المتهمة حسناء (أ) دوراً مباشراً في استغلالها داخل المنزل الذي كانت تعيش فيه.
قالت المرأة الايزيدية (ز)  أمام المحكمة ان المتهمة أجبرتها على العمل المنزلي القسري ورعاية طفلها المريض، مضيفة أن المتهمة كانت تدرك تماماً وضعها كسبية، لكنها لم تقدم أي مساعدة رغم توسلاتها المتكررة للتواصل مع عائلتها.
وتوقفت (ز)  للحظة خلال شهادتها قبل أن تؤكد أن شعورها بالأمان لن يكتمل ما لم تتم محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي تعرضت لها.

التعرف على المتهمة… بداية مسار العدالة

كشف محامي الضحية أن موكلته تمكنت من التعرف على المتهمة في عام 2020، بعد سنوات من الصمت والمعاناة النفسية، ويُعد هذا التعرف نقطة محورية في القضية، إذ فتح الباب أمام تحريك إجراءات قانونية في هولندا، التي أصبحت إحدى الدول الأوروبية التي تحاكم المتهمين بجرائم داعش وفق مبدأ الولاية القضائية الوطنية في هولندا .

أدلة صوتية… وشهادة موثقة

خلال الجلسة، عرضت المحكمة تسجيلاً صوتياً لشهادة امراة إيزيدية (ز) ، بالإضافة إلى صورة لمعبد لالش، أحد أهم الرموز الدينية لدى الإيزيديين، وفي التسجيل أكدت الناجية أن المتهمة كانت تعيش حياة طبيعية نسبياً داخل مناطق سيطرة التنظيم، وكانت على اتصال بعائلتها، في الوقت الذي كانت فيه الضحية محرومة من أي وسيلة تواصل مع أسرتها.

ويرى مراقبون أن هذا الجزء من الأدلة يعكس التفاوت الحاد في أوضاع الضحايا والجناة داخل منظومة الاستعباد التي أنشأها تنظيم داعش.

الادعاء العام… سرد قانوني لجرائم متعددة

قدم الادعاء العام عرضاً مفصلاً استمر لساعات، ركز فيه على أربعة محاور رئيسية:

الانضمام الطوعي إلى تنظيم داعش

أكد الادعاء أن المتهمة غادرت هولندا وانضمت إلى التنظيم بإرادتها، مستنداً إلى منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تعكس تبنيها الفكر المتطرف ودعمها للتنظيم.

المشاركة في استعباد النساء الإيزيديات

اعتبر الادعاء أن الأدلة والشهادات تشير إلى تورط المتهمة في نظام الاستعباد الذي مارسه التنظيم، وهو ما يُصنف ضمن الجرائم الدولية الخطيرة.

تعريض طفلها للخطر

أشار الادعاء إلى أن المتهمة نقلت طفلها القاصر إلى مناطق النزاع، ما يشكل جريمة وفق القوانين الهولندية المتعلقة بحماية الأطفال.

تناقض إفادات المتهمة

أكد الادعاء وجود تناقضات واضحة في أقوال المتهمة بشأن دورها داخل التنظيم، معتبراً ذلك محاولة لتقليل مسؤوليتها الجنائية.

الإبادة الإيزيدية في قلب المحاكمة

لم تقتصر الجلسة على مناقشة أفعال المتهمة فحسب، بل تضمنت استعراضاً لجرائم تنظيم داعش بحق الإيزيديين، والتي شملت القتل الجماعي والاستعباد الجنسي والتهجير القسري والاتجار بالبشر.
وأشار الادعاء إلى أن هولندا اعترفت رسمياً بالإبادة الجماعية بحق الإيزيديين عام 2021، وهو اعتراف يمنح هذه المحاكمات بعداً قانونياً وتاريخياً مهماً.

طلب الحكم… واختبار العدالة الأوروبية

اختتم الادعاء مرافعته بالمطالبة بالحكم على المتهمة بالسجن عشر سنوات، إضافة إلى فرض غرامة مالية قدرها 30 ألف يورو، مع إمكانية تعديل التعويضات وفق نتائج القضية.
ويرى خبراء قانونيون أن هذه القضية قد تشكل سابقة مهمة في محاسبة النساء المنضمات إلى تنظيم داعش، خاصة فيما يتعلق بمسؤوليتهن عن نظام الاستعباد.

جلسة مستمرة… وعدالة مؤجلة

في ختام الجلسة، أعلن القاضي أن المحكمة ستواصل جلساتها في اليوم التالي، قبل التوصل إلى الحكم النهائي.
لكن بالنسبة للناجيات الإيزيديات، فإن هذه المحاكمة لا تمثل مجرد قضية قانونية، بل خطوة إضافية في طريق طويل نحو الاعتراف والعدالة واستعادة الكرامة الإنسانية.
Exit mobile version