على الرغم من أن العالم يتعامل اليوم مع الصحة النفسية بوصفها ضرورة إنسانية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، ما تزال شنكال تواجه أزمة صامتة تتسع يوماً بعد آخر. فخلف مظاهر الحياة اليومية، تختبئ مخاوف وآلام ومعاناة نفسية متراكمة؛ معاناة لم تواجه بما يكفي، ولم يعترف بها مجتمعياً أو مؤسساتياً.
هذا التحقيق يستند إلى شهادات ميدانية، وحوارات مع مختصين، وملاحظات من داخل المجتمع، ليكشف كيف ساهمت الظروف الاجتماعية والخوف من كلام الناس في خلق بيئة تمنع العلاج وتسمح بتمدّد الأزمة.
https://www.facebook.com/share/v/1Bpc75WQk4/?mibextid=wwXIfr
https://youtu.be/WbYwdIJ0sII?si=okL53O5c59PNe0_9
صمت اجتماعي… ووصمة ترفض الاعتراف بالمرض
يؤكد مراسلنا في بداية الحوار أن الاضطرابات النفسية في تزايد لافت في المجتمع الشنكالي، إلا أن «الخجل» من مراجعة الطبيب النفسي لا يزال حاجزاً صلباً يمنع المرضى من التوجه إلى العلاج.
https://www.facebook.com/share/v/1Bpc75WQk4/?mibextid=wwXIfr
شهادات الضيوف تكشف أن:
• المرض النفسي ينظر إليه كـ«عيب» أكثر من كونه حالة مرضية.
• خوف المرضى من تقييم المجتمع لهم يجعلهم يختارون الصمت.
• انعدام الوعي الصحي في المجمعات يزيد من انتشار الحالات وعدم معالجتها.
هذه المعطيات تعكس صوراً واقعية من شنكال، حيث يفضل كثيرون إخفاء معاناتهم بدلاً من الحصول على مساعدة متخصصة.
تركة الإبادة والنزوح… كيف تعيد الصدمات تشكيل مجتمع كامل؟
يكشف الدكتور سلام، المختص في الطب النفسي، عن جانب أكثر عمقاً في الأزمة. فالمجتمع الإيزيدي مر بسلسلة من الهزّات العميقة:
• الإبادة الجماعية (2014) وما خلفته من صدمات ممتدة.
• فترة نزوح طويلة خلقت بيئة غير مستقرة نفسياً واجتماعياً.
• الهجرة الجماعية وتفكك العلاقات الاجتماعية.
• وجود آلاف المختطفين والمختطفات وعدم معرفة مصيرهم حتى اليوم.
هذه التجارب تسببت في اضطرابات نفسية متنوعة تشمل الاكتئاب، القلق، اضطراب ما بعد الصدمة، والانهيارات العصبية.
يضيف الدكتور سلام أن المرض النفسي ليس ضعفاً شخصياً، بل قد يكون نتيجة خلل هرموني يمكن علاجه، مثل اضطراب السيروتونين والدوبامين والأدرينالين. لكن غياب الوعي يمنع الناس من الاعتراف بذلك.
لماذا تتفاقم الحالات بين النساء والمراهقات؟
أحد الجوانب التي يكشفها التحقيق هو أن النساء والفتيات في شنكال يشكلن الفئة الأكثر عرضة للأمراض النفسية.
ومن أبرز الأسباب:
• البقاء داخل المنازل فترات طويلة.
• انعدام الأنشطة والوظائف للنساء.
• الضغوط العائلية والاجتماعية.
• محدودية التواصل والدعم النفسي.
هذه الظروف تجعل المرأة الشنكالية تتحمل عبئاً مضاعفاً، فتظهر عليها أعراض القلق والعزلة والاكتئاب بشكل أكبر من بقية الفئات.
غياب البنية الصحية… المسؤولية الغائبة
من خلال شهادات الضيوف، يتبين أن القطاع الصحي في شنكال يعاني من نقص واضح في:
• غرف مخصصة للجلسات النفسية.
• وجود أطباء نفسيين بشكل دائم.
• حملات التثقيف والتوعية.
• برامج دعم نفسي موجهة للأطفال والنساء والناجين من الصدمات.
هذا النقص لا يمثل مجرد تقصير إداري، بل يشكل خطراً حقيقياً. فالمرضى الذين يحتاجون لتدخل سريع يجدون أنفسهم بلا خيارات، مما يؤدي إلى تفاقم الحالات وتحولها إلى اضطرابات معقدة يصعب علاجها.
عندما يصبح كلام الناس حاجزاً أمام العلاج
يشير الضيوف إلى أن جزءاً كبيراً من المرضى لا يراجعون الأطباء لأنهم يخشون:
• أن ينظر إليهم باعتبارهم «مجانين».
• أن يتم تداول قصتهم في المجتمع.
• أن يؤثر ذلك في سمعتهم أو مستقبلهم الاجتماعي.
أثر هذا الخوف لا يتوقف عند الجانب النفسي، بل يتحول إلى ضرر اجتماعي مباشر:
المريض يصبح مستسلماً لواقعه، فاقداً للثقة، فينعزل عن المجتمع بدلاً من الاندماج والعلاج.
ماذا يحدث عندما تترك الأمراض النفسية دون علاج؟
وفق المختصين، تجاهل المرض النفسي يؤدي إلى:
• تطور المرض من اكتئاب بسيط إلى اضطراب حاد.
• فقدان السيطرة على السلوك.
• مخاطر الانتحار.
• انهيار العلاقات الأسرية والاجتماعية.
• تأثير مباشر في الأطفال داخل الأسرة.
وبذلك تتحول الأزمة إلى قضية عامة تتجاوز حدود الفرد لتطال بنية المجتمع بأكمله.
أزمة يمكن السيطرة عليها… إذا تحرك المجتمع
تكشف نتائج هذا التحقيق أن الصحة النفسية في شنكال ليست قضية خاصة أو ظرفية، بل أزمة حقيقية تتغذى من ثلاثة عوامل:
1. صدمات الماضي التي لم تعالج بعد.
2. نقص البنية الصحية والدعم المؤسسي.
3. الخوف من كلام الناس والوصمة الاجتماعية.
ولأن تجاهل الأزمة يعني السماح لها بالتمدد، فإن الحلول تتطلب:
• إنشاء غرف علاج نفسي في كل مجمع.
• توفير أطباء مختصين بشكل دائم.
• حملات توعية لكسر الوصمة.
• دعم النساء والمراهقات ببرامج خاصة.
• تشجيع الناس على اعتبار المرض النفسي حالة طبية وليست عيباً اجتماعياً.
الصمت لم يعد خياراً.
والاعتراف بالأزمة هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع قادر على التعافي من جراحه، واستعادة تماسكه بعد سنوات من الألم
