بين حرية التعبير وثقافة التشهير: قراءة من مؤتمر هانوفر

فرحان ابراهيم

قبل الدخول في تفاصيل هذا المقال، لا بد أن أضع أساسًا واضحًا لانتمائنا وهويتنا. نحن أبناء هذا الوطن أولًا، نحمل هويته الوطنية وننتمي إلى أرضه وتاريخه ومستقبله. وفي الوقت ذاته، نحن إيزيديون بهويتنا الدينية والثقافية التي لم نتخلَّ عنها يومًا، ولم ننسب أنفسنا إلى غيرها. هويتنا الوطنية هي الإطار الجامع، وهويتنا الإيزيدية هي خصوصيتنا التي نعتز بها ونتمسك بها مهما كانت التحديات.

إنني أقدر وأتفهم المخاوف الكبيرة التي عبّر عنها كثير من الإخوة والأخوات المعارضين للمؤتمر، سواء بدافع الخوف على قضيتهم، أو حفاظًا على دينهم، أو حمايةً لهويتهم الإثنودينية. هذه المخاوف مشروعة، بل هي انعكاس لحرص عميق على ما نمثله جميعًا كأبناء قضية وهوية.

لكن، ومن باب المسؤولية والالتزام بالتحليل الموضوعي، يبقى من حقنا أن نسلّط الضوء على ما جرى، ونقف عند الأخطاء التي تجاوزت القيم الديمقراطية، خصوصًا في بلد يُفترض أن يكون ديمقراطيًا، حيث يُتاح للجميع التعبير والرفض والمعارضة، لكن ضمن حدود الاحترام والالتزام بالقانون.

في صباح أحد أيام مؤتمر هانوفر، لم تكن قاعات النقاش وحدها مسرحًا للأحداث، بل امتدت المظاهر إلى الخارج، حيث احتشد المتظاهرون في ساحات واسعة أمام أبواب القاعة. بعضهم رفع صوته احتجاجًا، وبعضهم تجاوز كل الحدود المألوفة للمعارضة الحضارية. شتائم، اتهامات، تشويه للسمعة، ووصل الأمر إلى استخدام العنف الجسدي والضرب.

لم يكن المشهد مجرد احتجاج، بل كان انعكاسًا حيًا لأزمة أعمق في فهم الحرية. فحرية التعبير، كما نعلم جميعًا، ليست صراخًا بلا ضابط، ولا شتائم بلا حد، ولا ضربًا لمن يخالفنا الرأي. إنها مسؤولية قبل أن تكون حقًا، وهي اختبار حقيقي لنضج المجتمعات والديمقراطية فيها.

الحق في المعارضة موجود بلا شك، ومن الطبيعي أن يرفض الناس أفكارًا أو مخرجات أي مؤتمر. لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى أداة للإساءة أو الاعتداء. الحرية الحقيقية هي القدرة على الاختلاف باحترام، على ممارسة النقد دون المساس بالكرامة، على التعبير دون أن يتحول الرأي إلى عدوان.

من زاوية التحليل السياسي، ما حدث أمام قاعة المؤتمر يعكس أزمة ثقافية أكثر منها سياسية بحتة. إنها أزمة في الوعي بمبادئ الديمقراطية، حيث يتحول الحق من أداة للحوار إلى وسيلة للانحدار الأخلاقي والاجتماعي. والمجتمع الذي يتجاهل الحوار الحضاري، ويختزل الرأي المختلف إلى سباب وتجريح وعنف، يفرز أجيالًا لا تعرف معنى النقاش الهادئ، ولا تحترم تعددية الرأي.

الحرية، إذاً، ليست مجرد حق مكتسب، بل هي ممارسة تتطلب وعيًا والتزامًا بالقيم. إنها مسؤولية تجاه الذات، وتجاه الآخرين، وتجاه المجتمع ككل. ممارسة الحرية خارج هذا الإطار تفقد معناها، وتبتعد عن جوهر الديمقراطية الذي يضمن احترام الآخرين وكرامتهم.

ويبقى السؤال الكبير: أي ثقافة نريد أن نمثل أمام العالم؟ هل نريد ثقافة الاحترام والحوار البنّاء التي تبني مجتمعًا متماسكًا، وتفتح آفاق التقدم، وتغرس القيم الإنسانية في كل فرد؟ أم نريد ثقافة الشتائم والتشهير والعنف التي تولّد الانقسام، وتضعف قدرة المجتمع على مواجهة تحديات العصر؟

الجواب ليس مجرد فكرة نظرية، بل ممارسة يومية. كل مرة نتمسك بالحوار الراقي، وكل مرة نمارس الحرية بمسؤولية، نكون أوفياء للديمقراطية ونرسم صورة حضارية لمجتمع يسعى نحو البناء والتقدم، لا نحو الانحدار والانقسام.

في النهاية، الحرية ليست صرخة في الشارع، ولا هجومًا على الآخرين، ولا ضربًا لمن يختلف معنا. الحرية هي احترام، ووعي، وحوار، والتزام بالقيم التي تصنع مجتمعًا متقدمًا، لا مجتمعًا ينهار تحت وطأة انقسامات داخلية، وعنف، وتشويه للكرامة الإنسانية.

Exit mobile version