لقاء مع المخرج نوزاد شيخاني: “إيفلين” مشروع سينمائي يُعيد تشكيل الذاكرة وكرامة الضحايا
في الوقت الذي تبحث فيه السينما العراقية عن هويتها الجديدة، تبرز الان مجموعة معينة من مشاريع أفلام روائية من مخرجين وسينمائيين في الوطن والمهجر، بينها مشروع الفيلم الروائي الطويل “إيفلين” من المخرج والمؤلف نوزاد شيخاني بوصفه محاولة فنية جريئة لتوثيق جرح جماعي، وإعادة تشكيله بلغة سينمائية راقية وإنسانية.
المخرج شيخاني، صاحب التجربة الغنية في الإنتاج، الكتابة، والإخراج، يقود هذا المشروع الذي لفت الانتباه مؤخرًا بعد ترشحه للقائمة القصيرة في مبادرة دولة رئيس الوزراء لدعم وتطوير السينما العراقية، إضافة إلى وجوده المرتقب في سوق الأفلام بمهرجان كان السينمائي 2025، إلى جانب إنضمامه إلى لجنة تحكيم مهرجان سوس الدولي للفيلم القصير.
في هذا اللقاء الحصري، نستعرض معه تفاصيل الفيلم، خلفياته، رهاناته الفنية، وتحدياته الإنتاجية.
سؤال: بداية، كيف تصف لنا مشروع فيلم “إيفلين”؟ وما الذي يميزه في نظرك عن غيره من المشاريع السينمائية؟
نوزاد شيخاني:
“”إيفلين” ليس مجرد مشروع سينمائي، بل هو التزام أخلاقي وإنساني تجاه الضحايا الذين لم تُسمع أصواتهم بعد. الفيلم مستلهم من شهادات حقيقية لناجيات إيزيديات من قبضة تنظيم داعش. هو عمل يسعى لتحويل الألم إلى سرد بصري عميق، يعبر عن الكرامة المهدورة، ويعيد الاعتبار للإنسان داخل الحكاية. ما يميزه، هو الجمع بين المعالجة الدرامية الصادقة والواقعية الوثائقية، إضافة إلى احترام الخصوصية للضحايا والبيئة التي ينتمي إليها الفيلم.

سؤال: كيف جاء ترشيحكم للقائمة القصيرة لمبادرة دعم السينما العراقية؟ وما دلالة هذا التقدير بالنسبة لكم؟
شيخاني:
الترشيح جاء بعد تقديم ملف متكامل تضمن السيناريو النهائي، الرؤية الإخراجية، المعالجة السينمائية، خطة الإنتاج والتوزيع، وغيرها من الفقرات. أرى أن وصولنا إلى القائمة القصيرة بمثابة اعتراف أولي بقيمة المشروع من قبل لجنة متنوعة يترأسها وزير الثقافة والسياحة والاثار، وبعضوية نخبة من الشخصيات المهمة من بينهم الدكتور جبار جودي نقيب الفنانين، وهو ما يعكس بداية جيدة لمشروع مستقل طموح.
نتلمس بأن هناك وعيًا متزايدًا بأهمية الاستثمار في الأعمال التي تمس الذاكرة والهوية.
سؤال: ستشاركون قريبًا في سوق أفلام كان. ما الأهداف الأساسية من هذه المشاركة؟
شيخاني:
سوق الأفلام بمهرجان كان السينمائي يُعد من أبرز المحافل العالمية في الصناعة السينمائية. حضورنا هناك يهدف إلى إيجاد شركاء إنتاج دوليين، فضلًا على مناقشة آلية تمويل وتنفيذ العمل مع كبريات شركات الإنتاج في الوسط السينمائي.
لدينا مواعيد مؤكدة مع هذه الشركات والمنتجين الذين أبدوا اهتمامهم بالفيلم. هدفنا هو ضمان انتقال المشروع إلى مرحلة التصوير خلال العام الحالي ضمن بيئة إنتاج آمنة ومهنية.
سؤال: ما أهم التحديات التي واجهتكم خلال تطوير المشروع حتى الآن؟
شيخاني:
التحديات كانت كثيرة، أولها الإرث النفسي الذي يحمله الموضوع، وثانيها الصعوبات المرتبطة بواقع التصوير في مناطق النزاع. كنا نخطط للتصوير في دمشق، لكن تغيرت المعطيات الأمنية واللوجستية، ما اضطرنا إلى إعداد خطة بديلة جاهزة للتنفيذ في دولة أخرى.
كما واجهنا تحديات في الكاستينغ بين العراق، ألمانيا وسوريا، لكنها أثمرت عن نتائج واعدة. ورغم هذه الصعوبات، استطعنا خلال 16 شهرًا أن نطور المشروع ورسم خطة جاهزة للتنفيذ.
سؤال: ستشاركون أيضًا في لجنة تحكيم مهرجان سوس الدولي، وستقدمون ورشة تدريبية هناك. ما أهمية هذا الحضور بالنسبة لكم؟
شيخاني:
المشاركات في لجان التحكيم مسؤولية كبيرة، لكنها تعتبر أيضا فرصة لمواكبة الأصوات السينمائية الجديدة في العالم. كما أن الورشة التي سأقدمها في كلية اللغات والفنون بجامعة ابن زهر في أكادير بالمغرب، تمثل جزءًا من التزامي بتطوير الوعي السينمائي لدى الشباب، ونقل التجارب في صناعة الفيلم السينمائي من الفكرة إلى الإنتاج.
سؤال: كيف تصفون شخصية “إيفلين” داخل الفيلم؟ وهل هي مستلهمة من شخصية حقيقية؟
شيخاني:
“إيفلين” هي شخصية مركبة، لكنها مستوحاة من عشرات اللقاءات مع ناجيات. هي صورة رمزية للمرأة الإيزيدية التي واجهت وحشية الاستعباد الداعشي، ولم تستسلم، بل وتحتفظ بشيء أقوى من القيد: ذاكرة لا تموت، وشعور داخلي بأن الحرية والعدالة ممكنة. إيفلين ليست ضحية فقط، بل شهادة على الصمود والاستمرار.
سؤال أخير: ما الرسالة التي تأمل أن يصلها الفيلم لجمهوره؟
شيخاني:
رسالتي بسيطة وعميقة: لا يمكن بناء مستقبل دون مواجهة الماضي بصدق. “إيفلين” هو محاولة للقول إن ما جرى للإيزيديين لم يكن مجرد حدث عابر، بل جريمة ضد الإنسانية ينبغي أن تُوثق، تُروى، وتُعرض للعالم عن طريق السينما لأهميتها وقوتها في التأثير والتغيير.